ابن أبي العز الحنفي
438
شرح العقيدة الطحاوية
يتغمدني اللّه برحمة منه وفضل » « 613 » . ومما استدل به القدرية ، قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ المؤمنون : 14 . قالوا : والجزاء مرتب على الأعمال ترتب العوض ، كما قال تعالى : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ألم السجدة : 17 والأحقاف : 14 والواقعة : 24 . وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الأعراف : 42 . ونحو ذلك . فأما ما استدلت به الجبرية من قوله تعالى : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى الأنفال : 17 - فهو دليل عليهم ، لأنه تعالى أثبت لرسوله [ صلى اللّه عليه وسلّم ] رميا ، بقوله : إِذْ رَمَيْتَ ، فعلم أن المثبت غير المنفي ، وذلك أن الرمي له ابتداء وانتهاء : فابتداؤه الحذف ، وانتهاؤه الإصابة ، وكل منهما يسمى رميا ، فالمعنى حينئذ - واللّه تعالى أعلم : وما أصبت إذ حذفت ولكن اللّه أصاب . وإلا فطرد قولهم : وما صليت إذ صليت ولكن اللّه صلى ! وما صمت إذ صمت ! وما زنيت إذ زنيت ! وما سرقت إذ سرقت ! ! وفساد هذا ظاهر . وأما ترتّب الجزاء على الأعمال ، فقد ضلت فيه الجبرية والقدرية ، وهدى اللّه أهل السنة ، وله الحمد والمنّة . فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات ، فالمنفي في قوله صلى اللّه عليه وسلّم : « لن يدخل الجنة أحد بعمله » - باء العوض ، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة ، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحقّ دخول الجنة على ربه بعمله ! بل ذلك برحمة اللّه وفضله . والباء التي في قوله تعالى : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ألم السجدة : 17 وغيرها ، باء السبب ، أي بسبب عملكم ، واللّه تعالى هو خالق الأسباب والمسببات ، فرجع الكل إلى محض فضل اللّه ورحمته . وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ المؤمنون : 14 - فمعنى الآية : أحسن المصوّرين المقدّرين . و « الخلق » يذكر ويراد به التقدير ، وهو المراد هنا ، بدليل قوله تعالى : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الرعد : 18
--> ( 613 ) مسلم عن حديث أبي هريرة وجابر وعائشة بألفاظ متقاربة .